الرئيسية / مقالات / قراءةٌ في رواية ” الدجّال ” لشوقي الصّليعي :

قراءةٌ في رواية ” الدجّال ” لشوقي الصّليعي :

” إسراءُ ” اللّوحة التّشكيليّة و ” معراجُ ” الرّواية

فرغتُ مؤخّرًا من قراءة رواية ” الدجّال ” ، و الحقيقة أنّني لم أتمكّن من ذلك حين أهداني مُؤلّفها الكاتب الصّديق شوقي الصّليعي نسخة منها في حفل التّوقيع بدوز الذي نظّمته جمعيّة البديل الثّقافيّ يوم 8 جويلية الماضي ، نظرًا لانشغالي وقتها بإنجاز معرض الجمل للمهرجان الدّولي للصّحراء ، ثمّ التزامي باعداد و تقديم سلسلة ” اللّقاءات ” لفائدة جمعيّة الاعلاميّين الهواة ، و عندما جاء الحَجْرُ الصّحيّ الذّاتي و الشّامل ، وجدّتُ نفسي ألتهمُ هذه الرّواية التهامًا ، و شعرتُ أنّها تجذبُني اليها بنغماتٍ جميلةٍ عزفَهَا قلمُ الكاتب السّحريّ و أسلوبه الأخّاذ .

و ” الدجّال ” مَثَّلَ حدثًا ثقافيًّا هامًّا سنة 2019 لا في مدينة دوز فحسب ، بل في حياة الفكر و الأدب و الفنّ في تونس .

و اعتمادًا على هذا النصّ ، أُقدّمُ هذه القراءة النّقديّة للكشف عن مكنُونات الأثر، متسائلًا عن مدى التّطوّرالفنّي الذي تضمّنه :

1 – اختار الرّوائيّ شوقي الصّليعيّ موضوعًا يُشاهده و يُعايشه ، له قيمة ذاتيّة في نفسه و معنى انسانيّ يمتدُّ الى مدى واسع و عميق في أشياء تتعلّقُ بنا أشدّ تعلّق ، كالعواطف و الصّراعات و الاشكاليّات و القضايا الشّائكة و المطروحة المتّصلة بالفنّ التشكيليّ و الرّواية و الصّحافة و النّقد ، وهي روافدٌ تُغذّي الحياة و تجعلها حيويّة و دائمة التّفاعل .

2 – رواية ” الدجّال ” مهمّة – في تقديري – لأنّها اتّصفت بالواقعيّة ، و تميّزتْ بخبرة مؤلّفها الذي أدار أحداثها بفهمه لما يدُورُ حوله ، و قد كان للدّقّة المتناهية دورٌ في ذلك أيضًا حيث وصف الصّحراء التي كشف سرّها منذ طفولته ، وخبر مرابعها ، و لامس جسده كثبانها الرّمليّة الذّهبيّة شبْرًا شبْرًا ، كما رَسَمَ عالم الجرذان الصّحراويّة غزلانيّة اللّون بكلمات بديعة و بليغة ، و وَصَفَ شراب ” اللّاقمي ” العذب و المنعش .

إخلاصُ الكاتب و خبرته لم يظهرا في أحداث الرّواية فقط ، بل لمسناه في بناء و تصوير الشّخصيّات و تفاعلهم فيما بينهم فشوقي الصّليعي أوجد لروايته مكانةً عالية في الأدب الرّوائيّ ، حيث وظّف معرفته و خبرته بالواقع المعيش ليتسلّل الى مكنُون كلّ شخصيّة ، فاستعارمشرط الطّبيب ليكشف عن مداخلهم ، كما وظّف أحاديثهم و عاداتهم و عواطفهم لينفُذ الى ما وراء ظواهرهم و يُحلّل كلّ عقدهم .

3 – ” الدجّال ” زهرةٌ متفتّحة تضمّنتْ كلّ بتلة منها قصّة انسان من هذا الزّمن بهمومه و أحزانه و أفراحه و تطلّعاته ، حبكها الكاتبُ بطريقةٍ فنّية رائعة جعل كلّ أجزائها تتناسقُ و تتقابلُ لتبدو أحداثها و كأنّها نشأتْ دون تدخّل ، ممّا شجّع المؤلّف على مواصلة ادارته للأحداث بأسلُوب قصصيّ فريد فحرّك الشّخصيّات حسب تصوّره ، رُبّما و جَعَلَها تُعبّرُ عنه و عنّا في نفس الوقت .

4 – الحوارُ في ” الدجّال ” كان حيويًّا و ممتعًا و طبيعيًّا ، ملائمًا للرّواية و متّصلًا اتّصالًا وثيقًا بشخصيّة كلّ متكلّم ، وظِّفَ توظيفًا جيّدًا في سيْر الحوادث و تصوير الشّخصيّات و علاقاتهم بالأحداث ، وهو ما زاد في حيويّة الرّواية .

5 – استخدم الكاتبُ البيئة الكاملة للرّواية استخدامًا صحيحًا ، مُعتمدًا على فنّ الرّسم ( وهو الفنّان التّشكيليّ ) ، فحينما وَصَفَ المناظر الطّبيعيّة تحوّلَ الى رسّامٍ لهذه المناظر ، رَسَمَهَا بلغة متينة محبّبة فأغدق عليها مسحةً من الجمال و البهاء ، و جعل منها لوحاتٍ فنيّة باهرة ، و لم يكتف بذلك ، بل كمّل عرضه لها بخياله الخصب ، و رَبَطَهَا ربْطًا مُحكمًا بالنصّ ، ممّا جعل الطّبيعة منسجمة مع الأحداث و الحالة النّفسيّة للشّخصيّات ،

6 – قدّمَ الكاتبُ صورةً صادقة عن شخصيّته و بيئته و عصره ،و عبّر عن نظريّاته و فلسفته في الحياة ، من خلال تناوله للعديد من الحقائق و القضايا المعاصرة ، فما يتميّزُ به المؤلّف من تجارب ، و ما يحمله من آراء و مواقف ذكرها في الرّواية و لو من غير قصد ، بما جعل النّصّ يبدوفي ظاهره انعكاسًا لنفسيّته و ترجمة ذاتيّة .

7 – وَقَفَ شوقي الصّليعي في روايته على الحياد ، فجعل شخصياّته تكشفُ عن نفسها بالكلام و الحركة ، و تُعبّرُ عن مكنُوناتها ، و تعكسُ تفاعلاتها مع بعضها البعض بالتّعاليق دون توجيه منه .

8 – بالرّغم من أنّ الرّواية واقعيّة ، إلّا أنّها لم تخل من عنصر الخيال ، فالواقعيّةُ تجسّدتْ من خلال استمتاعنا برؤية القريب منّا و المألوف و المعيش ،أمّا ما هو خياليّ فقد نشأ من استمتاعنا بما هو غريب لا صلة له بالحياة الواقعيّة ،

الواقعيّةُ تُمْزجُ بالخيال ، و الخيالُ يُنْقذُ من شُذُوذه بانصهاره في الوقعيّة ، لذلك لا يُمْكنُ كتابة رواية خارج الخيال و إنْ كانتْ واقعيّة .

جلال الشّعينبي

نبذة عن M12

بادرة شبابية مستقلة تسعى إلى إيجاد بديل إعلامي هادف.

شاهد أيضا

دوز: مركزٌ لأطفال التّوحّد في حاجة للرّعاية

في دوز: مركزٌ لأطفال التّوحّد في حاجة للرّعاية 650 طفلًا مُصابًا بالتّوحّد في ولاية قبلّي، …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: