الرئيسية / مقالات / قيمة الوالدين

قيمة الوالدين

أرسل الشّاعرُ المُجِيد علي الأسود الشّتوي المرزوڨي من مَهجَرِه الهولنديّ البيتَ التّالي إلى الشّاعر إبراهيم بن عمر (شهر ولد رڨَيّة السّوده) في مهجره الفرنسيّ (1):
الوَالْدِينْ كِيفْ يَرْضُوا يْفِيدْ رْضَاهُمْ *** يْفِكُّوكْ مِنْ وِدْيَانْ يُدْفُرْ مَاهُمْ (2)
فَأَجَازَ عنه الشّاعر إبراهيم بن عمر قائلا في بيان قيمة الوالدين ومقدار تعبهما في تنشئة الأولاد ووجوب البرّ بهما وخفض الجناح لهما وما ينجرّ عن ذلك من فوائد جليلة:
الوَالْدِينْ كِيفْ يْحِنُّوا ———– *** سْخُوفِينْ ڨَبْلِ السِّيلْ لِيكْ يْوَنُّوا (3)
عَلَى الكَبدْ لَا هَنُّوا وْلَا يِتْهَنُّوا(4) *** فِي الْعِلِوْ يِتْمَنُّوا يْكُونْ ضْنَاهُمْ
يْوِدُّوكْ صَافِيهُمْ وْلَيْسَ يْشِنُّوا (5)*** بْلَاشْ يُرڨْدُوا وْيِثْنُوا عَلِيكْ غْطَاهُمْ (5)
الوَالْدِينْ لِلْهُمْ قِيمَه ———— *** لَـ رضُوكْ عُوجَاتَكْ تْوَلِّي سْڨِيمَهْ (7)
يْزِيدُوكْ ڨُبْلَهْ وْفَايْدَهْ وَغْنِيمَهْ (8) *** وْفِي وِينْ تِمْشِي يْدُورْ بِيكْ ضْيَاهُمْ
يْنَجُّوكْ مِنْ وَڨْتِ الدّرَكْ وْضِيمَهْ(9)*** معَ الله كِيفْ يِدْعُوا يْجِيبْ دْعَاهُمْ
-*-*-*-*-
الهوامش:
[1] زمن قول هذا الشّعر أواسط سبعينات القرن المنصرم. واللّافت أنّ الشّاعر علي الأسود المرزوقي كثيرا ما ردّد في مجالسه الخاصّة والعامّة أنّ الشّاعر إبراهيم بن عمر (ولد رڨيّة السّودة) هو ملهمُه الشّعريّ ووالدُه الرّوحي وكانا يناديه في حياته وبعد وفاته: “باباي إبراهيم”!.
[2] “يْفِكُّوكْ مِنْ وِدْيَانْ يُدْفُرْ مَاهُمْ”: شبّه الشّاعر علي الأسود الشّتوي المرزوڨي الإنسانَ بالغريق في غمرة المياه المتدفّقة من الأودية إثر هطول الأمطار الغزيرة، وجعل خَفْضَ الجناح للوالدين بمثابة طوق النّجاة لمن كاد يغرقه اليمّ.
[3] “سْخُوفِينْ ڨَبْلِ السِّيلْ لِيكْ يْوَنُّوا”: “يْوَنُّوا” من النُّؤْيِ وهو اصطناعُ حَفْرٍ على جنبات الخيمة كي لا يدخلها الماء. والمعنى أنّ فَرْطَ الحَدْبِ والحنوّ يكشف حرص الوالدين على الأبناء حرصا بالغا بكثرة الرّعاية الموصولة والتحوّط المبالغ فيه أحيانا والانشغال الذي لا حدّ له.
[4] “عَلَى الكَبدْ لَا هَنُّوا وْلَا يِتْهَنُّوا”: الكبد تعني الأبناء، حين يبقى الوالدُ -أبًا أو أمًّا- دائم السّؤال والانشغال عنهم مهما كبروا أو ابتعدوا.
[5] “يْوِدُّوكْ صَافِيهُمْ وْلَيْسَ يْشِنُّوا”: استعار الشّاعر من العالم البدويّ عملية استغلال الحليب صافيا ومخلوطا. والمعنى أنّ الوالدين يمحضانك الودّ صافيا دون انتظار الجزاء ولا يصاحب ودّهما تزلّف أو رياء.
[6] “بْلَاشْ يُرڨْدُوا وْيِثْنُوا عَلِيكْ غْطَاهُمْ”: يرضى الأهل الخصاصة والنّوم في البرد ويؤثرون أبناءَهم بالدّفْء والرّفد. والبيت كلّه يجري في معنى التّضحية.
[7] “لَـ رضُوكْ عُوجَاتَكْ تْوَلِّي سْڨِيمَهْ”: إذا رضي عنك الوالدان يغدو كلّ ما اعْوَجَّ من دهرك مستقيما.
[8] “يْزِيدُوكْ ڨُبْلَهْ وْفَايْدَهْ وَغْنِيمَهْ”: رِضَى الوالدين يمنح الفرد حالة من الارتياح النّفسيّ والأجر الربّانيّ.
[9] “يْنَجُّوكْ مِنْ وَڨْتِ الدّرَكْ وْضِيمَهْ”: الوالدان هما حبل النّجاة في أوقات العسر والشّدائد.
-*-*-*-*-*-
– الكتابة عن الوالدين موضوع أثيرٌ عند جلّ الشّعراء في الفصيح كما الشّعبيّ فكيف استطاع الشّاعران الوصول من الزّحام (بعبارة المتنبّي)؟ وما الذي يجعل هذه الأبيات القليلة لافتةً للانتباه جالبةً للأسماع؟
– موضوعُ رضى الوالدين مأنوسٌ متداول في التناول الدّينيّ وفي التّواضع الاجتماعيّ والإنتاج الأدبيّ، لكنّ الشّأن هنا في طريقة التّعبير ومقدار الأدبيّة. وهو ما ينعكس لحظة السّماع أو القراءة افتتانا بالقول وانجذابا له.
– نلاحظ أنّ الشّاعرين يعيشان الغربةَ، لكنّ المعجمَ لديهما بقي بدويّا متأثّرا بعوالم العَطَش والمَحْل والتّوْق إلى المطر والخصب. والمفارقةُ أنّهما يعيشان في برٍّ كلُّه خصبٌ ومطرٌ (أوروبّا) لكنّ الطّبع غالبٌ للتطبّع.
– حضر الماءُ وطقوسُه حضورا بيّنا في البيت القادح (وِدْيَانْ يُدْفُرْ مَاهُمْ) وفي ردِّ المجاراة ( ڨَبْلِ السِّيلْ لِيكْ يْوَنُّوا) فكأنّ الشّاعريْن -وقد اتّفقا في الجوهر- هدفا إلى التّنويع في مقادير التّعبير عن هذا الحدب.
– عاش الشّاعران الغربةَ زمنا وعادا إلى أرض الوطن، فنَكَبَهُما الدّهرُ في وفاة والدتيهما فقالا في ذلك قصائد فاتنة ترسّخ الاعتقادَ بأنّ ما ورد أعلاه لم يكن مجرّد ترفٍ أو تزجية للفراغ بل هو ذوبُ القلب ونحت الكيان.
شريف بنمحمد

نبذة عن M12

بادرة شبابية مستقلة تسعى إلى إيجاد بديل إعلامي هادف.

شاهد أيضا

قراءةٌ في رواية ” الدجّال ” لشوقي الصّليعي :

” إسراءُ ” اللّوحة التّشكيليّة و ” معراجُ ” الرّواية فرغتُ مؤخّرًا من قراءة رواية …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: