الرئيسية / مقالات / ثلاثةٌ رحلوا منذ زمن ولكنّهم استوطنوا الذّاكرة

ثلاثةٌ رحلوا منذ زمن ولكنّهم استوطنوا الذّاكرة

ثلاثةٌ رحلوا منذ زمن ولكنّهم استوطنوا الذّاكرة
– الأوّل على يسار الصّورة المرحوم سالم بن عبد النّبي من عبادلة دوز … ولا نظير له في التّوقيع على آلة الطّبل.
– الأخير على يمين الصّورة الشّيباني بن علي بن بوبكر الشوشان (من أولاد نصر العوينة وهو حفيد الشّيخ الماثل وسط الصّورة).
– في الوسط بوبكر الشّوشان من أولاد نصر العوينة / دوز : صاحب المزمار (الغِيطه) وأشهر عازف لها في تاريخ المرازيڨ حتى رُوِيَت عن براعته أشياء كالأساطير فقيل على سبيل المبالغة إنّ “نَمَّةْ الغِيطَه متاعه تْنَوِّضْ رڤود الجبّانه!” … وقيل إنّه كان يعرف لكلّ امرأةٍ حسنةِ الصّوت “طريڤها” فيعزف ما يناسبه ويلائم “ڨرجومتها”. وممّا يُروَى عنه أيضا أنّه كان يتوقّف اختياريّا عن إرسال نغماته المطربة السّاحرة إذا اقتربَ المحفلُ من بيتٍ أهلُه في حال الحزن (بسبب الوفاة غالبا) … يتوقّف عن “الغِيطَهْ” على بعدِ مسافةٍ معيّنةٍ يُقَدِّرُ بقلبه أنّها لا تحسّس أهل الميّت بأنّ الآخرين يفرحون وهم في حال الحزن. تلك الأخلاق لا تُدَرَّسُ في المعاهد ولا تستوعبها بطون الكتب، وإنّما يحافظ عليها أهل الهمم العالية (الإحساس بالآخرين وتقدير الموقف والتّنازل عن الفرح تضامنا مع أهل المصاب).
-*-*-*-
رحمهم الله جميعا بقدر ما أدخلوا البهجة على النّاس وشرحوا صدورهم بحبّ لكلّ ما هو جميل وجليل.
-*-*-*-
قال الشّاعر منصور نبيخة العذري في قصيدٍ قديم يصف لوحات المهرجان الدولي للصحراء بدوز ومنها لوحة العرس التقليدي المذكّرة بتقاليد الأعراس في ستينات القرن الماضي وسبعيناته:
الغِيطَهْ طَايِحْ بِيهَا آفَهْ +++ شَايِشْ سَاخِنْ دَمَّهْ (1)
جَلْوَالِيهْ مْظَلِّلْ كَافَهْ +++ مْبَزَّعْ وَاشْ يْلِمَّهْ (2)
بِيهْ يَطْفَحْ يُضْرُبْ لِلشَّافَهْ +++ زْڨِرْ حْلَتْلَهْ النَمَّهْ (3)
تْقَنْ الصَّنْعَهْ عْجِبْ أعْرَافَهْ +++ صَوَّرْ مِنْهُمْ ضَمَّهْ (4)
المَطْرَڨْ فِي الطَّبْلَهْ يِتْلَافَى +++ نْڨرْهَا عْطَاهَا رَمَّهْ (5)
يْنُوشْ فِيهَا بْخِفَّهْ وظْرَافَهْ +++ سَيِّسْ وِإيدَهْ حَمَّهْ (6)
مْدَرَّبْ مِ النَّاسِ العَرَّافَهْ +++ خَلْلَّى يِبْزِڨْ لِلْهَا (7)
وْسدْرِيَّه حَمْرَا عَلَى أَكْتَافَهْ +++ يَسْعَى وِيْجِيبِلْهَا (8)
—–
يقول صاحب كتاب “حديث الأنس والاعتبار في طرائف الأشعار والأخبار (من الذاكرة الشعبية) الأستاذ الحمروني الحمروني واصفا المشهد:
“صورة مجسّمة ومتدرّجة: عصا الطبّال وهي لا تزال في الفضاء “لافيه” على الطبّاله، ثمّ تمييز نقر العصاوين بالرقيقة “نڨرها” وبالغليظة “عطاها رمّه”. ثمّ تطوّر حماسة ضارب الطّبل وعنف الضّرب، فمن “سيّس ينوش فيها نوشان بخفّه وظرافه” ينتهي إلى “البَزَڨْ” وهو أعنف درجات الضّرب. وكأنّما أرد طمأنة المتفرّج المشفق على الطبّالة، فأكّد حِرفيّة الطبّال: “مْدَرَّبْ مِ النَّاسْ العَرَّافَهْ خَلْلَّى يِبْزِڨْ لِلْهَا”. وبمثل هذه المراحل وَصَفَ قبل ذلك “الغيّاط” الذي “زْڨِرْ” وهو بلوغ أقصى درجات الانتشاء. وكلاهما نال أجره بعد حُسْنِ أدائه فكما ظفر الأوّل بإعجاب أعرافه ومكافأتهم المجزية “صوّر منهم ضمّه” غنم الثّاني حصادا وافرا ظلّ يجمعه “يسعى ويجيبلها”. ص 36.
——-
حاشية:
(1) الغِيطَهْ طَايِحْ بِيهَا آفَهْ، شَايِشْ سَاخِنْ دَمَّهْ: آلةُ المزمار التقليديّة تمسكها يد فنّان ماهر متحمّس لفنّه.
(2) جَلْوَالِيهْ مْظَلِّلْ كَافَهْ، مْبَزَّعْ وَاشْ يْلِمَّهْ: تواسعت الملابس الخاصّة بالعزف حتى جلّلت أطرافه فغدت عنوان الفخامة والكبرياء.
(3) بِيهْ يَطْفَحْ يُضْرُبْ لِلشَّافَهْ، زْڨِرْ حْلَتْلَهْ النَمَّهْ: هذا العزف ممّا تشرئبّ له النّفوس وقد أخذ بمجامع القلوب فانعكس ذلك على العازف زيادة في الإبداع والتفنّن.
(4) تْقَنْ الصَّنْعَهْ عْجِبْ أعْرَافَهْ، صَوَّرْ مِنْهُمْ ضَمَّهْ: إنّه لفرط إتقانه لصناعة العزف صار مستحقّا للإعجاب والإطراء من قبل “الرمّايه” ينفحونه المال تفاخرا.
(5) المَطْرَڨْ فِي الطَّبْلَهْ يِتْلَافَى، نْڨرْهَا عْطَاهَا رَمَّهْ: “المَطْرَڨْ”: هو العصا الرّقيقة، و”يِتْلَافَى”: يَضْرِبُهَا ضربًا هيّنا لطيفا. “نْڨَرْهَا”: من النّقر الخفيف. “عْطَاهَا رَمَّهْ” : ضربها ضربا أصدرت معه تصويتا.
(6) يْنُوشْ فِيهَا بْخِفَّهْ وظْرَافَهْ، سَيِّسْ وِإيدَهْ حَمَّهْ: يلامسها ملامسة حميمة فهو على غاية الدّراية ويده تجسّ الطبل جسّا حاذقا.
(7) مْدَرَّبْ مِ النَّاسِ العَرَّافَهْ، خَلْلَّى يِبْزِڨْ لِلْهَا: تلقّى صناعتَه على أساطين هذا الفنّ. فَدَعْهُ يبادرْها بما ملكت يداه من العنفوان والقوّة.
(8) وْسدْرِيَّه حَمْرَا عَلَى أَكْتَافَهْ، يَسْعَى وِيْجِيبِلْهَا: وملابسه العليا حمرا تغطّي كتفيه وهو يسعى في حركته دؤوبا لتحصيل المال.

نبذة عن M12

بادرة شبابية مستقلة تسعى إلى إيجاد بديل إعلامي هادف.

شاهد أيضا

قراءةٌ في رواية ” الدجّال ” لشوقي الصّليعي :

” إسراءُ ” اللّوحة التّشكيليّة و ” معراجُ ” الرّواية فرغتُ مؤخّرًا من قراءة رواية …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: